الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

29

أنوار الفقاهة في أحكام العترة الطاهرة ( كتاب النكاح )

الصفات الخاصّة وما يكون دليلًا على صلاح الزوج أو الزوجة . وهذه مسألة مهمّة وإن اندرجت في المستحبّات ، ولكن قد تكون أهمّ من بعض الواجبات ، ويكون تركها سبباً لكثير من المحرّمات أحياناً ، كما هو ظاهر لمن تدبّر . وحيث إنّ الصفات تتبع الأهداف ، وكلّ إنسان يطلب ما يناسب أغراضه وأهدافه ، بيّن فيها أنّ المقصود من الزواج في المرحلة الأولى ، هو بقاء النسل الصالح . ولا شكّ في أنّ صفات الأبوين تنتقل إلى أولادهما من طريق الوراثة في الجملة ، لا كأمر يوجب الجبر ، بل يساعد على الأعمال الصالحة والطالحة ، ففي الواقع الصفات الروحية - كالصفات الجسمانية من الصحّة والمرض - تنتقل إلى الأولاد بعنوان المقتضي ، لا العلّة التامّة ، فلابدّ من اختيار زوج أو زوجة يكون فيه المبادئ الحسنة ، كالبلد الطيّب الذي يخرج نباته بإذن ربّه ، لا كالبلد الخبيث الذي لا يخرج إلّانكداً . وفي المرحلة التالية يكون الزوج أو الزوجة ، شريكاً للإنسان في جميع شؤون حياته ، وموضعاً لأسراره وأفكاره ودينه ، فلابدّ أن يكون صالحاً لهذا الغرض المهمّ الذي له دور هامّ في حياة الإنسان اجتماعياً وانفرادياً . وفي المرحلة الثالثة يصير كلّ من الزوجين ، معرّفاً لصفات زوجه وكيانه وأخلاقه ، ويكون زيناً له أو شيناً ، وهُنَّ لِباسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَّ « 1 » ، ولكنّه لباس يلبسه مرّة - غالباً - في مدّة عمره ، ويخلعه مرّة ، فلابدّ أن يكون فيه ما يكون سبباً لزين زوجه ومقامه ومكانته الاجتماعية ، ويكون مدافعاً عنه أيضاً ، كما أنّ اللباس دفاع عن الإنسان ، فلابدّ أن يكون فيه صفات تقتضي ذلك . والعجب أنّ كثيراً من الناس إذا أرادوا اشتراء قميص يلبسونه عدّة شهور أو سنة واحدة ، يتخيّرون ويختبرون ويسألون ويتشاورون ، ولكنّ اللباس الذي يلبسونه طول عمرهم ، لا يتخيّرون له ! ! ورعاية هذا الأمر في أعصارنا أهمّ وأحرى من الأعصار السابقة ؛ لُامور لا تخفى على الباحث .

--> ( 1 ) . البقرة ( 2 ) : 187 .